الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
258
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
أمير المؤمنين عليه السّلام : " إن الله تبارك وتعالى أحد واحد توحّد في وحدانيته ، ثم تكلَّم بكلمة فصارت نورا ، ثم خلق من ذلك النور محمدا صلَّى الله عليه وآله وخلقني وذريتي ، ثم تكلَّم بكلمة فصارت روحا ، فأسكنه الله في ذلك النور وأسكنه في أبداننا ، فنحن روح الله وكلماته ، وبنا احتجب عن خلقه ، فما زلنا في ظلة خضراء حيث لا شمس ولا قمر ، ولا ليل ولا نهار ، ولا عين تطرف ، نعبده ونقدسه ونسبحه قبل أن يخلق الخلق " ، الخبر . أقول : قوله عليه السّلام : " ثم تكلم بكلمة فصارت نورا ، " هذا النور هو الحقيقة المحمدية والعلوية ، قوله : " ثم تكلم " ، إلى قوله : " فأسكنه الله في ذلك النور ، " هذا الروح هو القوة الفعالية العقلية التي بها تتحقق الفعل والانفعال من ذلك النور ، فالنور حقيقة محضة للأشياء المعبر عنها بعالم المشية والفيض الأقدس ، والروح هو الحياة ، التي بها الفعل والانفعال ، وهو المعبر عنه بالعقل الفعّال ، ثم إنه لما كان هذا الخلق قبل خلق الزمان ومنشئه فلا محالة لا يكون المراد من قوله عليه السّلام : " ثم " ، التراخي الزماني بل الرتبي ، فعليه فلا منافاة أن يكون أول الخلق نوره صلَّى الله عليه وآله أو روحه كما صرح بهما في الأحاديث الأخر ، فكلاهما في رتبة تكون أولا بالنسبة إلى ساير الخلق ومراتبه كما لا يخفى . قوله : " وبنا احتجب عن خلقه ، " إشارة إلى قربهم بالنسبة إليه تعالى ، بحيث لا حجاب أقرب منهم إليه تعالى ، وكثيرا أطلق الحجب عليهم ، ففي الزيارة : " وعلى أوصيائه الحجب ، " وفي الحديث في شأن النبي صلَّى الله عليه وآله : " هو الحجاب الأكبر ، " والتعبير عنهم بالحجب ، إنما هو بالنسبة إلى غيرهم ، ومعنى كونهم حجابا له تعالى هو أنهم عليهم السّلام بحقيقتهم النورية في مرحلة قابلة للاتصال به تعالى والأخذ منه الخير ثم الإفاضة إلى الخلق ، وسيجئ قوله عليه السّلام : " يفصل نورنا عن نور ربنا ، كما يفصل نور الشمس عنها ، " وهذا معنى اتصالهم روحا به تعالى ، فا لله تعالى لا يعرفه حق المعرفة إلا هم ، لقربهم دون غيرهم ، فهم عليهم السّلام حجاب له تعالى عن الخلق ، ولذا لا سبيل إلى معرفته إلا بهم عليهم السّلام كما تقدم ، وذلك لأنهم الحجب له تعالى لا غيرهم فتأمل تعرف ،